بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وقفتنا العاشرة
مع آيات من سورة الليل ..(5- 10)
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى : {فأما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى}.
{فأما من أعطى} أي: أعطى ما أمر بإعطائه من مال، أو جاه، أو علم. {واتقى} اتقى ما أمر باتقائه من المحرمات. {وصدق بالحسنى} أي: صدق بالقولة الحسنى وهي قول الله عز وجل، وقول رسوله صلى الله عليه وسلّم، لأن أصدق الكلام، وأحسن الكلام كلام الله عز وجل.
{فسنيسره لليسرى} السين: هنا للتحقيق
أي: أن من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسييسره الله عز وجل لليسرى في أموره كلها، في أمور دينه ودنياه، ولهذا تجد أيسر الناس عملاً هو من اتقى الله عز وجل، من أعطى واتقى وصدق بالحسنى. وكلما كان الآنسان أتقى لله كانت أموره أيسر له. قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسًرا}. [الطلاق: 4].
وكلما كان الآنسان أبعد عن الله كان أشد عسراً في أموره ولهذا قال: {وأما من بخل} فلم يعط ما أمر بإعطائه {واستغنى} استغنى عن الله عز وجل، ولم يتق ربه، بل رأى أنه في غنى عن رحمة الله. {وكذب بالحسنى} أي: بالقولة الحسنى، وهي قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
{فسنيسره للعسرى} ييسر للعسرى في أموره كلها،
ولكن قد يأتي الشيطان للإنسان فيقول: نجد أن الكفار تيسر أمورهم
فيقال: نعم. قد تيسر أمورهم، لكن قلوبهم تشتعل ناراً وضيقاً وحرجاً كما قال تعالى: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء}. [الآنعام: 125].ثم ما ينعمون به فهو تنعيم جسد فقط، لا تنعيم روح، ثم هو أيضاً وبال عليهم لقول الله تعالى فيهم:{سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين}. [الأعراف: 182، 183].
وقال النبي صلى الله عليه وسلّم: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» (145). وتلا قوله تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}. [هود: 102]. وهؤلاء عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ومع ذلك فإن هذه الدنيا جنة لهم بالنسبة للآخرة.
وقد ذكروا عن ابن حجر العسقلاني شارح البخاري بالشرح الذي سماه (فتح الباري) وكان قاضي القضاة بمصر، أنه مر ذات يوم وهو على عربته تجره البغال والناس حوله، مر برجل يهودي سمان يعني: يبيع السمن والزيت، ومن المعلوم أن الذي يبيع السمن والزيت تكون ثيابه وسخة وحاله سيئة فأوقف العربة وقال لابن حجر: إن نبيكم يقول: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر» (146)، فكيف أنا أكون بهذه الحال وأنت بهذه الحال؟ فقال له ابن حجر على البديهة: أنا في سجن بالنسبة لما أعد الله للمؤمنين من الثواب والنعيم، لأن الدنيا بالنسبة للآخرة ليست بشيء كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم « لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (147)، وأما أنت أيها اليهودي: فأنت في جنة بالنسبة لما أعد لك من العذاب إن مت على الكفر فاقتنع بذلك اليهودي وصار ذلك سبباً في إسلامه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
اللهم اجعلنا ممن صدق وآمن واعطى واتقى
المصدر